إستمع إلى الكتاب الصوتي
خلاصة ملتقى
توعية الفقير
أوراق
عمل وتجارب
الناشر: مؤسسة السبيعي
الخيرية
هذه
خلاصة أوراق عمل ملتقى " توعية وتأهيل الفقير" الذي نظمته مؤسسة محمد
وعبدالله السبيعي الخيرية، ليكون منارة للعاملين في المجال الاجتماعي كي يقوموا
بدورهم في توعية وتأهيل الفقراء في كافة مناطق المملكة، بتنسيق يمنع تكرار الجهود
ويحقق تبادل الخبرات، استنادًا إلى أوراق عمل متخصصة وتجارب ناجحة.
رؤية
شرعية استراتيجية للقضاء على الفقر:
لا يختلف
الوصف التاريخي لظاهرة الفقر عما هو عليه في عصر التقنية والمعلومات وفورة
الاقتصاد وحقوق الإنسان، فالتجارب التي قضت فيها الإنسانية المعاصرة على الفقر
نادرة أو قل معدومة، حتى في تلك الدول التي تفرض الضرائب على الناس، لترجعها لهم
خدمات، وتفرض للعاطلين والمحتاجين دخلاً ريثما تتحسن أوضاعهم.
والقضاء
على الفقر يحتاج إلى القضاء على جميع أسباب وجوده، وهي أسباب يمكن إدراكها بالملاحظة،
وتوضح أن المسألة خطيرة جدا وتحتاج إلى تكاتف الجهود.
فالفقر هو
نتيجة الثقافة الاستهلاكية التي فرضت عادات صرفية على جميع طبقات المجتمع، لدرجة نفاد
كامل ما بأيديهم من مال، سواء قل دخلهم أو كثر.
والفقر
أيضًا نتيجة بطالة الشباب، وغياب البيت عن دائرة الإنتاج. إذ أصبحت البيوت عبارة
عن أفواه تأكل كل ما قُدم لها.
وحتى
نعالج الفقر في بلادنا لابد لنا من أن نعلم أن هناك فقراً طبيعيًّا نشأ نتيجة
التضخم وضعف سوق العمل، وعوامل اقتصادية واجتماعية أخرى. وبالمقابل هناك فقر طفيلي
اصطناعي، وهو موضوع عنايتنا هنا، ومن أمثلته: متعاطو المخدرات والمفترات والمسكرات
بأنواعها، والأرامل والمطلقات اللواتي نتج فقرهن عن توليهن لمسؤولية إعالة أطفالهن،
والمبذرون الذين لديهم المقدرة المالية على إعالة أسرهم لكنهم مصابون بداء
التبذير.
أما
الفقر الطبيعي فهو عجز الإنسان عن توفير المال اللازم لاستيفاء مطالبه الضرورية،
دون أن يكون هذا العجز ناشئًا عن جناية الإنسان على نفسه، كتعاطي المخدرات، أو
جناية غيره عليه، كالمطلقة العائلة لأطفالها.
وللتعامل
مع الفقر الطبيعي لا بد من معرفة عناصره، التي تتمثل في:
شراهة
المجتمع الاستهلاكية، فزيادة المرتبات ورفع الضمان الاجتماعي وإعطاء الإعلانات
وتسهيل القروض التنموية، كلها حلول غير ناجعة لأنها تبدأ بالطبقة الوسطى والفقيرة
في المجتمع، وهاتان الطبقتان لا تقودان قطار الاستهلاك ولا تؤثران فيه.
وثاني
أكبر المعالم هو غياب البيت عن دور الإنتاجية الاقتصادية في المجتمع، وتحوله إلى مشترِ
لكل ما يحتاج. ولهذا نجده محتاجاً إلى الوسيط النقدي في كل جرعة ماء يشربها، وفي
كل لقمة طعام يأكلها فضلاً عن لباسه وأثاثه.
والعامل
الثالث من عناصر البيئة المكونة للفقر، هو النظم الرأسمالية التي تسربت لجميع
الدول الإسلامية وكانت سبباً رئيساً في تغذية الفقر بين شعوبها.
بيئة
بهذه المكونات مناسبة جداً لتغذية جرثومة الفقر، إذ لا حد فيها للغلاء، وهي لا
تبشر أبداً بتوقف نشوء المجتمعات الفقيرة. ومن كل ذلك ينبغي المساهمة في تبني الحل
الإسلامي لمشكلاتنا المالية، والمساهمة في تقديم البدائل الشرعية للمنتجات
الاقتصادية التقليدية.
الخصائص
النفسية والاجتماعية للفقير:
إذا
أردنا أن نسهم في حل مشكلة الفقر فنحن بحاجة إلى فهم نفسية الفقير ومعرفة خصائصه
الاجتماعية. فالفقر يترك على شخصية الفقير وحياته الاجتماعية ندوباً قد تعيق نموه
النفسي والاجتماعي. فمن الخصائص النفسية للفقير الشعور بالنقص والدونية،
وبالإحباط، ما ينتج عنه فقدانه الثقة بنفسه.
إضافة
لذلك، تصاحب الفقر سلسلة من الخصائص ربما تؤدي إلى الجريمة ثم إلى العنف، مثل الضغوط
الاجتماعية والنفسية، والجيرة المغذية لثقافة العنف، وكذلك الصحبة، والأسرة
المتصدعة، وغيرها من الأسباب المصاحبة.
وأيضا
يعد المرض النفسي من الخصائص المصاحبة للفقر. فالفقر هو السبب الأول للأمراض
النفسية، ومن أشهرها القلق والاكتئاب والفصام، التي باتت تشكل معضلة في جميع أنحاء
العالم، خاصة في دول العالم الثالث.
كذلك يصاحب
الفقر تدني الطموح، مع أن الفقير أحوج الناس إلى الطموح ليغادر حالة الفقر، وبدونه
تكون مغادرة الفقر صعبة حتى مع توفر المساعدات المادية فقد.
فيما
تتلخص الخصائص الاجتماعية للفقير في الأمية، وتدني المستوى التعليمي، والتفكك
الأسري، وكثرة الطلاق. وقد أظهرت نتائج إحدى الدراسات أن التماسك الأسري يتأثر بكل
من درجة التزام الأسرة الديني، ودخل الأسرة، ومستوى الحي الذي تقيم فيه، ومستوى
تعليم الوالد، وعمل الأب، ووضع الأسرة المهني، ومستوى علاقاتها.
ختامًا،
وبناء على ما سبق؛ توصي الدراسة بالتأهيل النفسي للفقير، لتخليصه من الآثار
النفسية للفقر، والتي قد تعيق تقدمه وتحسن أحواله، كما توصي بتأهيل الفقير مهنيًّا
وإعداده لسوق العمل، بالتركيز على نقاط القوة لديه، لتخليصه من البطالة، علاوة على
تأهيله اجتماعيًّا بتعليمه مهارات التعامل مع الضغوط والمحبطات، وفنون التعامل مع
الآخرين، إضافة لدعمه ماديًّا وخدميًّا لإخراجه من بؤرة الفقر والعوز.
التأصيل
الشرعي لتوعية وتأهيل الفقير:
كانت
الوسائل المعنوية أو غير المباشرة في الإسلام تهيّئ المجتمع كله للعمل، حتى لا
يبقى عاطل إلا من كان عاجزا قد أعاقه المرض أو الشيخوخة. ومن تلك الوسائل: التشديد
في منع المسألة، وإجازتها في حالات مؤقتة، والحث على الاحتراف والعمل، والترغيب في
حسن التدبير والاقتصاد في المعيشة، والحض على حفظ المال وصيانته، وكل ذلك من عناية
الشرع بمقاومة الفقر.
ومن
الطرق التي اتبعها الإسلام في تأهيل المجتمع وتشغيله للقضاء على الفقر، تعريف
المرء بطاقاته وفتح آفاقه على أبواب الكسب. وإعطاء الفقير امتيازات في المصالح
العامة، دون الغني، وفتح أبواب العمل له أكثر من غيره، وتعليم كل صبي مهنة تناسبه،
كما أن من حكم فرض الزكاة تشغيل طاقات الفقراء وتهيئة أسباب الاحتراف لهم.
ولكن في
الوقت الراهن، توجد عوائق كثيرة في طريق محاربة البطالة والفقر، مثل احتقار المهن
وازدراء أصحابها، والإعلاء من شأن الوظائف، والتشجيع على الإسراف، والاستغراق في
الكماليات، والاكتفاء بالتعليم النظري في مدارسنا، والبعد عن ممارسة التطبيقات
العملية.
ولكي
نتجنب كل ذلك لابد من عقد دورات تأهيلية وتدريبية وفنية مجانية، وتعريف المستفيد
بطاقاته وقدراته، وفتح آفاق العمل أمامه، وغرس شرف المهن في النفس، وزرع القناعة
بالبدائل عن العمل الحكومي والشركات الخاصة.
تجارب
إثرائية:
من
المبادرات العملية الرائدة في مجال توعية الفقير، مبادرة "التوطين بالتنمية"
بمحافظة العلا. التي ساهمت في تشغيل أسر عديدة بابتكارها مشروع توطين شجرة البان،
بزراعة 9 آلاف شجرة، تمهيدًا لاستغلال بذورها وأوراقها في الصناعات الغذائية.
وهناك
أيضًا مبادرة "تأهيل الأسر الفقيرة تعليمياً"، التي تنفذها "مؤسسة
الملك عبدالله لوالديه الخيرية" لدعم دعم مسيرة الطلاب الفقراء في المعاهد
والكليات والجامعات، إضافة لتدريبهم.
ومن
المشاريع المميزة لـ "مؤسسة الملك عبدالله لوالديه الخيرية"، "مشروع
بارعة" بجازان، الذي يدرّب الفتيات على صناعة الستائر والكنبات والسرر
والألحفة.
فيما
تبرز مبادرة "باب رزق جميل"، التابعة لمجموعة عبداللطيف جميل، ببرامجها
التدريبية المنتهية بالتوظيف لديها ولدى الغير، ودعمها المشاريع الصغيرة ومشاريع
الأسر المنتجة، بالإضافة لتمليكها سيارات الأجرة العامة والنقل.
ومن
المبادرات الملفتة للنظر في هذا الصدد، مشروع "مركز بيوتنا." لجمعية
البر الخيرية بالمذنب. وهو مشروع نسائي يقوم بتوعية الأسرة بأهمية العمل والإنتاج،
ويعينها على زيادة دخلها المادي بتدريبها على صناعة المنتجات الغذائية ومن ثم
مساعدتها في عملية التسويق.
وقريبًا
من ذلك يأتي مشروع "مهنة لها" لجمعية الريان الخيرية بوادي جازان، الذي
يؤهل بنات الأسر الفقيرة للعمل في مهن تناسب قدراتهن، حسب حاجة سوق العمل، كما
يعين المؤهلات على ممارسة مهنهن. وذلك عبر برنامج التمكين الداخلي، لتدريب
المستفيدات على المهارات اللازمة، وبرنامج التمكين الخارجي، لتزويد المتدربة
بالأداة اللازمة للعمل.
ومن
التجارب أيضا، مشروع "لا نطعمك سمكة بل نعلمك اصطيادها" التابع لجمعية
البر الخيرية بالأحساء، الهادف لإصلاح الأسرة بإصلاح وضعها المادي، عبر تثقيفها بكيفية
إدارة ميزانيتها وحفظ مواردها، وتشجيعها على إنشاء مشاريع منزلية صغيرة.
وفي
مدينة جدة يبرز مشروع "نون" التابع للمستودع الخيري، إذ يطور مكامن
القوة لدى الأسر الفقيرة ويوفر لها الإمكانات اللازمة للنهوض من جديد وكسب القوت
بأيديها، بعد تعريضها لبرنامج تأهيلي متكامل يشمل جميع نواحي التأهيل الأسري.
عبر هذا الملخص
تنقلنا بين أوراق مهمة تمحورت حول هدف واحد هو محاصرة الفقر عبر التوعية الفكرية
والمهارية. ومصداقاً للقول المأثور: " لو كان الفقر رجلاً لقتلته"، تظل
محاربة هذه الآفة مرهونة بوقوفنا جميعنا ضدها، أفرادًا ومؤسسات.
,شارك المنشور مع أصدقائك

